روابط تهمك
روابط تهمك

العودة   منتدى باجة > فضاء الباكالوريا ( وفق مقررات وزارة التربية الوطنية في المغرب ) > دروس في الفلسفة . > السنة الثانية
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة


درس الفلسفة مجزوءة السياسة

السنة الثانية

نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06 - 06 - 11, 09:34 PM   #1
حسن الناجي
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 15 Apr 2011
المشاركات: 907
معدل تقييم المستوى: 4
حسن الناجي is on a distinguished road
درس درس الفلسفة مجزوءة السياسة

خارطة طريق لمجزوءة السياسة


تقديم:

تقال السياسة على تدبير المعاش، بإصلاح أحوال جماعة مخصوصة على سنن العدل والاستقامة ( المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولي، د.عبد المنعم الحفني ). فالسياسة هي تجسيد لممارسة عليا تتم بين أفراد النوع البشري، ففيها يتم الانتقال من الاجتماع المؤقت والتلقائي إلى الاجتماع الدائم المتمثل في إقامة الدولة على مبادىء التعاقد الاجتماعي الذي يتنازل الأفراد بموجبه عن جزء من حرياتهم الفردية ليمتثلوا لسلطة الدولة من حيث أنها تمثل المجتمع عبر الأساليب الديمقراطية والانتخاب الحر.
فالسياسة إذن هي ممارسة للسلطة داخل المدينة أو الدولة، وبواسطتها يتم تثبيت القانون من خلال قوة عمومية تتجسد في مجموعة من الأجهزة والمؤسسات. هكذا يحيل مفهوم السياسة على مجموعة من المفاهيم المرتبطة به، مثل: الدولة، السلطة السياسية، الحق، القانون، العدالة…
وقد اعتبر أرسطو أن الإنسان حيوان سياسي بطبعه، وأن “الأمر الذي يميز الإنسان بشكل خاص هو كونه يدرك الخير والشر، والأمر العادل والجائر، وكل العواطف الشبيهة بذلك، والتي يكون التواصل بها مؤسسا للأسرة وللدولة” ( أرسطو، السياسة، عن الكتابالمدرسي، مباهج الفلسفة، السنة الأولى باكلوريا، ص64 ). فالممارسة السياسيةإذن تشكلأهم الممارسات البشرية، وهي التي تجعل الوجود الاجتماعي منظما وقائما على مبادىء عقلية قانونية وأخلاقية. ولهذا لا يتحدد مجال النظر السياسي بمفهوم الدولة فقط ، وإنما بمفاهيم أخرى مرتبطة بها كالحق والعدالة والعنف.
فالدولة ترتكز على قوانين تتوخى إحقاق الحق والإنصاف والعدالة والمساواة وتهذيب السلوك البشري. غير أن الناس مع ذلك، وتبعا لمصالح محددة، يلتجئون إلى ممارسة العنف على بعضهم البعض، مما قد يضطر الدولة إلى التدخل بقوانينها وأجهزتها القضائية إلى إحقاق الحق وتثبيت العدالة.
- فما الدولة؟ ومن أين تستمد مشروعيتها؟ وما الغاية منها؟ وكيف تمارس سلطتها السياسية؟
- ما العنف؟ ما هي أشكاله ومظاهره؟ وما هو دور العنف في التاريخ؟ وهل يمكن الإقرار بمشروعية العنف؟
- ما الحق؟ ما العدالة؟ وكيف تتحدد العلاقة بينهما؟

الدولة

تعتبر الدولة تنظيما سياسيا يكفل حماية القانون وتأمين النظام لجماعة من الناس تعيش على أرض معينة بصفة دائمة، وتجمع بين أفرادها روابط تاريخية وجغرافية وثقافية مشتركة. ولذلك لا يمكن الحديث عن الدولة في مجال ترابي معين إلا إذا كانت السلطة فيها مؤسساتية وقانونية، وأيضا مستمرة ودائمة لا تحتمل الفراغ.
كما يقترن اسم الدولة بمجموع الأجهزة المكلفة بتدبير الشأن العام للمجتمع. هكذا تمارس الدولة سلطتها بالاستناد إلى مجموعة من القوانين والتشريعات السياسية التي تروم تحقيق الأمن والحرية والتعايش السلمي.
وهذا ما يجعلنا نتساءل عن المشروعية التي تتأسس عليها الدولة من جهة، وعن الغاية من وجودها من جهة أخرى؟
كما تدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة ممارسة الدولة لسلطتها السياسية؟ وعن مدى مشروعية الدولة في استخدام العنف؟

المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها

فيما يخص مفهوم المشروعية، ينبغي التمييز بين ما هو مشروع légitime)) يستهدف إحلال العدل والحق، ومن ثمة فهو يشير إلى ما ينبغي أن يكون. أما ما هو شرعي (légal) فيعني ما هو عادل بالنظر إلى النصوص المتواضع عليها، ومن ثمة فهو يشير إلى ما هو واقعي وفعلي.
أما مفهوم الغاية فيدل على “ما لأجله إقدام الفاعل على فعله، وهي ثابتة لكل فاعل فعل بالقصد والاختيار، فلا توجد الغاية في الأفعال غير الاختيارية.”(المعجم الشامل…مرجع سابق)
فما الغاية من وجود الدولة إذن؟ ومن يختار لها هذه الغاية؟ ووفق أية اسس ومنطلقات؟ ومن أين تستمد مشروعيتها؟
لقد قطع فلاسفة التعاقد الاجتماعي مع التصور الديني للدولة، ولذلك فمشروعية الدولة عندهم تستمد من الالتزام بمبادىء التعاقد المبرم بين الأفراد. وغايتها هي تحقيق المصلحة العامة المتمثلة حسب اسبينوزا في صيانة حقوق الأفراد ككائنات عاقلة، أو المتمثلة حسب هوبز في تحقيق الأمن والسلم الاجتماعي.
وقد انتقد هيجل هذا التصور التعاقدي الذي يعتبر أن للدولة غاية خارجية مثل السلم أو الحرية أو الملكية، ورأى أن غاية الدولة لا تكمن في أية غاية خارجية، وإنما تتمثل في غاية باطنية؛ فالدولة غاية في ذاتها من حيث إنها تمثل روح وإرادة ووعي أمة من الأمم، وتعتبر تجسيدا للعقل المطلق.
وقد بين فيما بعد ماكس فيبر بأن هناك أنواع متعددة من المشروعية عبر التاريخ؛ مشروعية الحكم اعتمادا على التراث وحماية الماضي واستلهام الأجداد، والمشروعية المرتبطة بشخص ملهم يمثل سلطة دينية وأخلاقية أو إيديولوجية ويحكم باسمها. والمشروعية المؤسسية المستمدة من التمثيلية الانتخابية ومرجعية القانون والمؤسسات وتوزيع السلط.
فكيف تمارس الدولة سلطتها السياسية؟

المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية

حينما يتم التساؤل عن طبيعة السلطة السياسية‘ فإن الأمر يتطلب بالضرورة الحديث عن علاقة الدولة بالمواطنين، أو علاقة الحاكم بالمحكومين. فإذن ما هي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين رجل السياسة من جهة، ومن يمارس عليهم سلطته السياسية من جهة أخرى؟ وبتعبير آخر؛ ما هي الخصائص التي يجب أن تميز الممارسة السياسية للأمير أو السلطان مع شعبه أو رعيته؟
هنا يمكن تقديم موقفين متعارضين؛ موقف ماكيافيلي وموقف ابن خلدون.

1- موقف ماكيافيلي: السياسة صراع وقوة وخداع.

بين ماكيافيلي أن هناك أمراء في عصره أصبحوا عظماء دون أن يلتزموا بالمبادئ الأخلاقية السامية، كالمحافظة على العهود مثلا، بل قد استخدموا كل وسائل القوة والخداع للسيطرة على الناس والتغلب على خصومهم.
هكذا دعا ماكيافيلي إلى ضرورة استخدام الأمير لطريقتين من أجل تثبيت سلطته السياسية؛ الأولى تعتمد القوانين، بحيث يستعملها بحكمة ومكر ودهاء، وبشكل يمكن من تحقيق مصلحة الدولة، أما الثانية فتعتمد على القوة والبطش، ولكن في الوقت المناسب. من هنا يجب على الأمير أن يكون أسدا قويا لكي يرهب الذئاب، وأن يكون ثعلبا ماكرا لكي لا يقع في الفخاخ.
إن الغاية عند ماكيافيلي تبرر الوسيلة. وما دام أن الناس ليسوا أخيارا في الواقع، فلا يلزم أن ينضبط الأمير للمبادئ الأخلاقية في تعامله معهم، بل لا بد أن تكون له القدرة الكافية على التمويه والخداع، وسيجد من الناس من ينخدع بسهولة.
هكذا يتبين أن السياسة، مع ماكيافيلي، تنبني على القوة والمكر والخداع. وهذا ما سيرفضه مجموعة من المفكرين، ومن بينهم ابن خلدون.

2- موقف ابن خلدون: السياسة رفق واعتدال.

إن علاقة السلطان بالرعية حسب ابن خلدون هي علاقة ملك بمملوكين. ولذلك يجب أن يتأسس هذا الملك على الجودة والصلاح. من هنا يجب أن يحقق السلطان لرعيته كل ما هو صالح لهم، وأن يتجنب كل ما من شأنه أن يلحق بهم السوء والضرر.
ولذلك وجب أن تكون العلاقة بين السلطان والرعية مبنية على الرفق والاعتدال في التعامل. فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يؤدي إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما إذا كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له كل المحبة والاحترام، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن.
انطلاقا من هذا حدد ابن خلدون خصلتين رئيسيتين يجب أن يتصف بهما رجل السياسة، وهما الرفق والاعتدال. ولذلك عليه مثلا أن يتصف بالكرم والشجاعة كصفتين يتوفر فيهما الاعتدال المطلوب بين التبذير والبخل من جهة، وبين التهور والجبن من جهة أخرى.
← هكذا إذا كان ماكيافيلي يحدد طبيعة السلطة السياسية في القوة والمكر والصراع، واستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق مصلحة الدولة، فإن ابن خلدون يحدد طبيعتها في التشبث بمكارم الأخلاق المتمثلة أساسا في الرفق والاعتدال.
وهذا ما سيقود إلى إثارة إشكالية الدولة بين الحق والعنف.

المحورالثالث: الدولة بين الحق والعنف.

حينما نتحدث عن الدولة بين الحق والعنف، فإننا نثير بالضرورة إشكالية العلاقة بين الدولة كأجهزة ومؤسسات منظمة للمجتمع، وبين الأفراد الخاضعين لقوانينها. فإذا انبنت هذه العلاقة على احترام المبادئ الأخلاقية المتعارف عليها والقوانين المتعاقد عليها، فإن ممارسة الدولة تكون في هذه الحالة ممارسة مشروعة تجعلنا نتحدث عن دولة الحق، أما إذا كانت هذه العلاقة مبنية على أسس غير أخلاقية وغير قانونية، فإنها ستكون مؤسسة على القوة والعنف وهاضمة للحقوق والحريات الفردية والجماعية.
فما المقصود بمفهومي الحق والعنف؟
يحدد المعجم الفلسفي لأندري لالاند الحق باعتباره “ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية، وما هو مشروع وقانوني في مقابل ما هو واقعي وفعلي”. كما يحدده كانط باعتباره يحيل إلى “مجموع الشروط التي تسمح لحرية كل فرد بأن تنسجم مع حرية الآخرين”.
أما العنف فيمكن القول بأنه “اللجوء إلى القوة من أجل إخضاع أحد من الناس ضد إرادته، وهو ممارسة القوة ضد القانون أو الحق”. (المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة،د.عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، الطبعة الثالثة،2000)
هكذا يتبين أن الحق هو نقيض العنف؛ إذ أن الأول يمارس بإرادة الأفراد ويضمن لهم حرياتهم المشروعة، في حين أن الثاني يمارس ضد إرادتهم ويغتصبهم حرياتهم.
فإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن البحث عن مشروعية لممارسة الدولة العنف ضد الأفراد أوالجماعات؟ وهل العنف ضروري للدولة لكي تمارس سلطتها؟ ألا يتعارض العنف في هذه الحالة مع الحق والقانون؟
لمعالجة هذا الإشكال يمكن توظيف أطروحة ماكيافيل الذي يرى بأنه لا يمكن للأمير أن يتحلى بكل الفضائل الإنسانية المحمودة، من أجل الحفاظ على سلطانه، بل عليه أن يلجأ إلى استعمال العنف والشر إذا اقتضت الضرورة ذلك، وما دامت الغاية تبرر الوسيلة، أو توظيف أطروحة ماكس فيبر الذي يعطي للدولة الحق في ممارسة العنف المادي، إذ هي وحدها تمتلك هذا الحق وتحتكره، فهو الوسيلة المميزة لها.
ويمكن معارضة هاتين الأطروحتين بأطروحة جاكلين روس التي تعتبر أن دولة الحق هي ممارسة معقلنة لسلطة الدولة، يخضع فيها الحق والقانون إلى مبدإ احترام الشخص البشري وضمان كرامته الإنسانية وذلك ضد كل أنواع العنف والقوة والتخويف التي قد يتعرض لها. إن الفرد في دولة الحق هو قيمة عليا ومعيار أسمى لصياغة القوانين والتشريعات التي تمنع كل أنواع الاستعباد والاضطهاد التي قد يتعرض لها.


العنف
وهذا الإشكال المتعلق بمشروعية العنف هو الذي نجده في المحور الثالث من درس العنف. ولذلك يمكن معالجته انطلاقا من موقف ماكس فيبر الذي يتحدث عن مشروعية العنف المادي الممارس من طرف الدولة، وعن حقها في احتكار هذا النوع من العنف، مستشهدا بتروتسكي الذي يرى “أن كل دولة هي جهاز مؤسس على العنف”.
ويمكن معارضة ذلك بموقف غاندي الذي يرى أن العنف هو دوما عنف، وأنه رذيلة، وأن العنف هو القانون الذي يحكم النوع الحيواني بينما اللاعنف هو الذي يحكم النوع الإنساني. كما يمكن استثمار موقف إريك فايل الذي يرى أن الفلسفة هي رفض للعنف بصفة مطلقة، وان منطلقها وهدفها النهائي هو اللاعنف أي اختيار الخطاب العقلي المتماسك.
إن العنف واقعة أساسية في تاريخ المجتمعات البشرية، وهو يعتمد على تقنيات ووسائل مختلفة، كما يتخذ أشكالا متعددة.
من هنا سيتم التساؤل في المحور الأول عن طبيعة العنف؟ وعن أشكاله ومظاهره المختلفة؟
وهنا يمكن الحديث مع إيف ميشوYVES MICHAUD عن أشكال مختلفة من العنف المادي التي ميزت المجتمعات البشرية في القرن العشرين؛ كالحروب والإبادات والاضطهاد ومعسكرات الاعتقال والإجرام وغير ذلك. وقد ساهمت التكنولوجيا في تطوير وسائل العنف المادي، كما ارتبط العنف بوسائل الإعلام التي أدت إلى انتشاره والإخبار عنه.
غير أن بيير بورديويتحدث عن شكل آخر من العنف، هو العنف الرمزي الذي هو شكل لطيف من العنف يمارس على فاعل اجتماعي ما بموافقته وتواطئه. يقول بورديو: “العنف الرمزي هو عبارة عن عنف لطيف وعذب، وغير محسوس، وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياهم أنفسهم، وهو عنف يما3س عبر الطرق والوسائل الرمزية الخالصة، أي عبر التواصل وتلقين المعرفة”. ( نص إضاءة لبورديو، مباهج الفلسفة، السنة الثانية باكلوريا، ص144)
وبالرغم من ازدياد حدة العنف في المجتمعات المعاصرة، فإن العنف ظاهرة تاريخية لا تخلو منها أمة أو قبيلة أو دين؛ ” فالجماعة مستعدة دوما للعنف من أجل الدفاع عن حقيقتها المقدسة. الإنسان بحاجة إلى عنف…لكي يعيش ولكي يجد له معنى على الأرض”. (محمد أركون المرجع السابق، ص144)
من هنا يمكن التساؤل في المحور الثاني عن دور العنف في التاريخ؛ فما هو دور العنف في التاريخ؟ وكيف يتولد العنف في تاريخ المجتمعات البشرية؟
ويمكن أن نستثمر هنا موقف ماركس الذي يبين ظاهرة العنف من خلال الصراع الطبقي الذي هو المحرك الأول للتاريخ؛ ” فالمضطهدون والمضطهدون أقاموا بينهم حروبا لا تتوقف، معلنة أحيانا وخفية تارة أخرى”. ( ماركس، المرجع السابق، ص145)ففي عصر سيادة البورجوازية (الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج) أصبح المجتمع منقسما إلى معسكرين متعاديين، أي إلى طبقتين متعارضتين تعارضا كليا هما البورجوازية والبروليتاريا. والصراع الطبقي قد يتخذ طابعا فرديا لا يعيه الفرد ذاته، كما قد يتخذ طابع صراع نقابي أو سياسي أو إيديولوجي واضح.
ويمكن تقديم تحليل آخر لظاهرة العنف في التاريخ، هو ذلك الذي يقوم به فرويد حيث يربط العنف بطبيعة الجهاز النفسي للإنسان، الذي يعتبر كائنا عدوانيا وشرسا بطبعه. ولذلك لا يمكن سوى قمع العنف وكبح جماحه دون التمكن من القضاء عليه، ما دام يعاود الظهور حينما يتم إلغاء الزجر في فترات الحرب. وقد عرف مسار العنف تطورا في تاريخ البشرية؛ حيث تم الانتقال من العنف العضلي إلى العنف الذي يستخدم الأدوات، ثم إلى عنف عقلي سيشكل قوى موحدة ضد عنف الأقوى. وهذا ما سيؤدي إلى ظهور مفهوم الحق كقوة جديدة ضد العنف.
الحق والعدالة

وإذا انتقلنا إلى درس الحق والعدالة، سنجد أن هناك تداخلات وتقاطعات بين هذين المفهومين تؤدي إلى بؤرة من الإشكالات.
فما المقصود أولا بالعدالة؟
يدل لفظ العدالة في تداوله العام على احترام حقوق الغير والدفاع عنها، كما يدل على الخضوع والامتثال للقوانين.
وتدل العدالة في معجم لالاند على صفة لما هو عادل، ويستعمل هذا اللفظ في سياق خاص عند الحديث عن الإنصاف Equité)) أو الشرعية légalité)). كما يدل لفظ العدالة تارة على الفضيلة الأخلاقية، وتارة على فعل أو قرار مطابق للتشريعات القضائية. كما يدل اللفظ فلسفيا على ملكة في النفس تمنع الإنسان عن الرذائل، ويقال بأنها التوسط بين الإفراط والتفريط.
هكذا يمكن الحديث عن مستويين في العدالة:
- مستوى يرتبط بالمؤسسات القانونية والقضائية التي تنظم العلاقات بين الناس في الواقع.
- ومستوى يرتبط بالعدالة كدلالة أخلاقية، وكمثال أخلاقي كوني يتطلع الجميع لاستلهامه.
أما فيما يخص مفهوم الحق، فيمكن القول بأن له دلالتين رئيسيتين:
- دلالة في المجال النظري والمنطقي؛ حيث يعني اليقين والصدق والاستدلال السليم.
- ودلالة في المجال العملي؛ باعتباره قيمة تؤسس للحياة الاجتماعية والممارسة العملية
للإنسان.
وهذه الدلالة الثانية هي التي تجعله يتقاطع مع مفهوم العدالة.
ويتخذ مفهوما الحق والعدالة أبعادا متعددة؛ طبيعية وأخلاقية وقانونية وسياسية، كما يرتبطا بمجموعة من المفاهيم الأخرى؛ كالطبيعة والثقافة والإنصاف والمساواة. وداخل هذه العلاقات يمكن إثارة مجموعة من الإشكالات من قبيل:
- الحق بين الطبيعي والثقافي.
- العلاقة بين الحق والعدالة.
- العدالة بين الإنصاف والمساواة.

نبدأ بالإشكال الأول: الحق بين الطبيعي والوضعي.

حينما نتحدث عن الحق الطبيعي، فإننا نتحدث عن مجموع الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الإنسان بحكم طبيعته كإنسان. وقد كان رجوع فلاسفة الحق الطبيعي، كهوبز واسبينوزا وروسو، إلى حالة الطبيعة بهدف معرفة الطبيعة الإنسانية وتأسيس المجتمع انطلاقا منها، حتى تكون الحقوق والتشريعات عادلة ومناسبة لأصل الطبيعة الإنسانية، وغير متعارضة معها.
وصحيح أن هؤلاء الفلاسفة اختلفوا في تصورهم لحالة الطبيعة ولأصل الإنسان، إلا أنهم يشتركون في مبدإ أساسي هو جعل الطبيعة المفترضة للإنسان أساسا لكل حقوقه في الحالة المدنية أو الاجتماع. من هنا فللإنسان حسب هذا التصور الطبيعي للحق، حقوق لا يمكن المساس بها، وهي حقوق مطلقة وكونية.
ويمكن معارضة هذا التصور بالتصور الوضعي الذي يرفض تأسيس الحق على أية اعتبارات ميتافيزيقية أو افتراضات عقلية؛ إذ لا وجود لحق غير الحق الوضعي الفعلي الذي يتحدد انطلاقا من اعتبارات واقعية، ومن موازين القوى المتصارعة على أرض الواقع. وهنا يرى هانز كيلسن أن الحق نسبي بنسبية المبادئ التي يرتكز عليها، وأنه لا وجود لحق خارج إطار القانون المتجسد في المؤسسات القضائية والتنفيذية التي تفرضه في الواقع.
وإذا كان الحق لا يتجسد إلا من خلال القوانين التي وضعت بهدف تحقيق العدالة والإنصاف والمساواة بين الأفراد، فكيف تتحدد علاقة الحق بالعدالة؟ وهل يمكن اعتبار العدالة أساسا للحق؟ وهل هناك وجود للحق خارج إطار القوانين التشريعية والقضائية الممثلة للعدالة؟

العدالة كأساس للحق:

يمكن أن نقدم هنا تصور اسبينوزا الذي يعتبر أن العدالة هي تجسيد للحق وتحقيق له، فلا يوجد حق خارج عدالة قوانين الدولة. فالعدل يتمثل في إعطاء كل ذي حق حقه طبقا للقانون المدني، وأما الظلم فهو سلب شخص ما حقه بمخالفة هذا القانون.
لكن ألا يمكن أن نعتبر أن الحق يسمو على قوانين العدالة وتشريعاتها القضائية، وأن هذه الأخيرة قد تكون جائرة وهاضمة للحقوق المشروعة للأفراد؟
معنى ذلك أنه يجب البحث عن أساس آخر للحق غير العدالة وقوانينها؟
هنا يمكن استدعاء أطروحة شيشرون التي يرى صاحبها أن المؤسسات والقوانين لا يمكن أن تكون أساسا للحق، وانه يجب البحث عن هذا الأساس في الطبيعة الخيرة للإنسان التي تتمثل في الميل إلى حب الناس الذي هو أساس الحق. هكذا يرى ششيرون أنه ” طالما لم يقم الحق على الطبيعة فإن جميع الفضائل ستتلاشى”. ( منار الفلسفة، س2باكلوريا، ص166)
لكن المشكل الذي تطرحه نظرية شيشرون هو طابعها المثالي؛ إذ أن الناس في الواقع لا تصدر عنهم دائما سلوكات خيرة إما بسبب نزوعاتهم العدوانية كما يرى البعض، أو بسبب الصراع حول المصالح كما يرى البعض الآخر.
وإذا كان الناس متفاوتين في الواقع بسبب الاختلافات الموجودة بينهم في المؤهلات والمزايا والمراتب الاجتماعية وغير ذلك، فهل ينبغي تطبيق العدالة بينهم بالتساوي، بحيث يكون الناس أمامها سواسية، أم يجب إنصاف كل واحد منهم بحسب تميزه عن الآخرين؟ وبتعبير آخر؛ إذا كانت العدالة تهدف إلى خلق المساواة في المجتمع، فهل بإمكانها إنصاف جميع أفراده؟

العدالة بين المساواة والإنصاف:


لمقاربة هذا الإشكال، يمكن تقديم أطروحتين متباينتين؛ الأولى لألان(Alain)[ إميل شارتيي] الذي يرى أنه لا يمكن الحديث عن الحق إلا في إطار المساواة بين الناس. فالقوانين العادلة هي التي يكون الجميع أمامها سواسية. والحق لا يتجسد إلا داخل المساواة باعتبارها ذلك الفعل العادل الذي يعامل الناس بالتساوي بغض النظر عن التفاوتات القائمة بينهم. وفي هذا الإطار يقول ألان: ” يسود الحق فقط حين يتساوى طفل صغير يحمل نقوده ناظرا إلى المعروضات بعيون متلهفة، مع الخادمة الأكثر شطارة “. (في رحاب الفلسفة، س2باكلوريا،مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، ص166).
أما الأطروحة الثانية فيقدمها ماكس شيلر، الذي يذهب إلى القول بأن العدالة لا تتمثل في المطالبة بالمساواة؛ لأنها مساواة جائرة ما دامت لا تراعي الفروق بين الأفراد فيما يخص الطبائع والمؤهلات التي يتوفرون عليها. فالعدالة المنصفة هي التي تراعي اختلاف الناس وتمايز طبائعهم ومؤهلاتهم. ومن الظلم أن نطالب بالمساواة المطلقة بين جميع الناس. إن وراء هذه المطالبة بالمساواة كراهية وحقد على القيم السامية، ورغبة دفينة في خفض مستوى الأشخاص المتميزين إلى مستوى الأشخاص الذين هم في أسفل السلم.
منقول .
حسن الناجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08 - 06 - 11, 08:11 AM   #2
علاء
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 15 Apr 2011
المشاركات: 852
معدل تقييم المستوى: 4
علاء is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

شكرا اخي حسن
هذا تركيب لمجموعة من الدروس الفلسفية .
تحياتي للأستاذ الذي بذل هذا الجهد .
علاء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08 - 06 - 11, 06:29 PM   #3
samah
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: 11 Apr 2011
المشاركات: 515
معدل تقييم المستوى: 4
samah is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

الدروس متشابكة يعني .
شكرا .
samah غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10 - 06 - 11, 09:04 AM   #4
حسن الناجي
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 15 Apr 2011
المشاركات: 907
معدل تقييم المستوى: 4
حسن الناجي is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

شكرا اخي علاء .
حسن الناجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14 - 06 - 11, 09:02 PM   #5
حسن الناجي
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 15 Apr 2011
المشاركات: 907
معدل تقييم المستوى: 4
حسن الناجي is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

شكرا سماح
حسن الناجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28 - 09 - 11, 10:17 PM   #6
حنان
منتدى باجة للتربية والثقافة
 
تاريخ التسجيل: 24 Jul 2011
المشاركات: 302
معدل تقييم المستوى: 4
حنان is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

شكرا .
حنان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28 - 09 - 11, 10:19 PM   #7
حسن الناجي
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: 15 Apr 2011
المشاركات: 907
معدل تقييم المستوى: 4
حسن الناجي is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

العفو أختي حنان
حسن الناجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30 - 09 - 11, 04:53 PM   #8
حسام
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: 15 May 2011
المشاركات: 744
معدل تقييم المستوى: 4
حسام is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

شكرا حسن .
حسام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17 - 05 - 12, 09:46 PM   #9
سعيد بنعمر
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: 15 Apr 2011
المشاركات: 684
معدل تقييم المستوى: 4
سعيد بنعمر is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

شكر أخي حسن
سعيد بنعمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28 - 05 - 12, 09:54 PM   #10
عبد الكبير
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: 21 Oct 2010
المشاركات: 1,064
معدل تقييم المستوى: 6
عبد الكبير is on a distinguished road
افتراضي رد: درس الفلسفة مجزوءة السياسة

شكرا حسن
عبد الكبير غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مجزوءة, السياسة, الفلسفة

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
درس الفلسفة السعادة حسن الناجي السنة الثانية 10 20 - 05 - 12 04:39 PM
مجزوءة المعرفة هل هي مستقلة عن باقي المجزوءات؟؟؟ عمر الكحلاوي السنة الثانية 0 14 - 03 - 11 06:26 PM
مقدمة حول مقرر الفلسفة للسنة ² ج/ش عمر الكحلاوي السنة الثانية 1 05 - 01 - 11 08:39 PM
السياسة والرياضة زي العسل أخبار رياضية 2 05 - 12 - 10 04:21 PM
هل الجابري فيلسوف حقا زي العسل دراسات وأبحاث 0 16 - 05 - 10 11:58 AM

Google Adsense Privacy Policy | سياسة الخصوصية لـ جوجل ادسنس

اخلاء مسئولية

 يخلى منتدى باجة مسؤوليته عن كل المواضيع والمشاركات التي تنشر في أقسام الموقع ويحثكم على التواصل معه ان كانت هناك أية فقرة أو موضوع أو مشاركة تتضمن أى انتهاك لحقوق الملكية الفكرية أو الأدبية لأية جهة - يقع عليها أى ضرر بأي شكل نتيجة استخدام الموقع بالتواصل معه من خلال البريد الالكترونى التالى fahi@montadabaja.com .وسيتم اتخاذ الاجراءات اللازمة من مسح او تعديل هذه الفقرة ( موضوع او مشاركة ).

 إن مشرفي وإداريي منتدى باجة بالرغم من محاولتهم منع جميع المشاركات المخالفة، فإنه ليس بوسعهم استعراض جميع المشاركات ولذلك فجميع المواضيع تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا يتحمل المنتدى أية مسؤولية جنائية أو قانونية أو أخلاقية عن مضامين المشاركات وإن وجدت مخالفات فعلى الجهة المتضررة التواصل مع ادارة الموقع عن طريق البريد الالكترونى التالى fahi@montadabaja.com

|

Add to Google Reader or Homepage


الساعة الآن 01:04 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. montadabaja.com

جميع الحقوق محفوظه لـ منتدى باجة www.montadabaja.com